صديق الحسيني القنوجي البخاري

82

فتح البيان في مقاصد القرآن

قال الزجاج : الأنبياء بشر ويجوز أن تقع عليهم الخطيئة إلا أنهم لا تكون منهم الكبيرة لأنهم معصومون يَوْمَ الدِّينِ أي يوم الجزاء للعباد بأعمالهم ، ولا يخفى أن تفسير الخطايا بما ذكره مجاهد ومن معه ضعيف ، فإن تلك معاريض ، وهي أيضا إنما صدرت عنه بعد هذه المقاولة الجارية بينه وبين قومه . وعن عائشة قالت : قلت يا رسول اللّه ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المساكين أكان ذلك نافعا له ؟ قال : لا ينفعه ، إنه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين » وهذا كله احتجاج من إبراهيم على قوله إنه لا يصلح للإلهية إلا من يفعل هذه الأفعال ثم لما فرغ الخليل من الثناء على ربه ، والاعتراف بنعمه ، وفنون ألطافه ، الفائضة عليه من حضرة الحق ، من مبدأ خلقه إلى يوم بعثه ، حمله ذلك على مناجاته تعالى ؛ فعقبه بالدعاء ليقتدي به غيره في ذلك فقال : رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً المراد بالحكم الكمال في العلم والفهم والعمل يستعد به لخلافة الحق ورياسة الخلق . وقيل النبوة والرسالة . وقيل المعرفة بحدود اللّه وأحكامه . وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ يعني بالنبيين قبلي في العمل الصالح . وقيل بأهل الجنة ، أي في درجاتهم . قاله ابن عباس : والأول أولى . ولقد أجابه تعالى حيث قال : وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ [ البقرة : 130 ] . وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ أي اجعل لي ثناء حسنا وذكرا جميلا وجاها وصيتا وقبولا عاما في الأمم الآخرين ، الذين يأتون بعدي في الدنيا يبقى أثره إلى يوم القيامة . قال القتيبي : وضع اللسان موضع القول على الاستعارة ، لأن القول يكون بها ، وقد تكنى العرب بها عن الكلمة ، وقد أعطى اللّه سبحانه إبراهيم ذلك بقوله : وتركنا عليه في الآخرين ، وأجاب دعاءه ، فإن كل أمة تتمسك به وتعظمه . وكل أهل الأديان يتولونه ويثنون عليه ، خصوصا هذه الأمة وخصوصا في كل تشهد من تشهدات الصلوات . وقال مكي : قيل معنى سؤاله أن يكون من ذريته في آخر الزمان من يقوم بالحق فأجيبت دعوته في محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، فتكون الآية على تقدير مضاف ، أي صاحب لسان صدق ، أو هو مجاز من إطلاق الجزء على الكل ، لأن الدعوة باللسان ولا وجه لهذا التخصيص والتكلف . وقال القشيري : أراد الدعاء الحسن إلى قيام الساعة ولا وجه لهذا أيضا . فإنّ لسان الصدق أعم من ذلك . وعن ابن عباس في الآية قال اجتماع أهل الملل على إبراهيم فما من أمة إلا وهي تحبه وتثني عليه . وَاجْعَلْنِي وارثا مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ أي مندرجا فيهم ومن جملتهم ؛ أي